top of page

كيف تعرف أن رغبتك هي رغبتك أنت فعلًا؟

صورة الكاتب: Sara Bou Fakhreddine
Sara Bou Fakhreddine
25 أغسطس
3 دقيقة قراءة


من الشائع جدًا هذه الأيام أن نسمع خطابًا يقول: "افعل ما تريد أنت، لا يهم رأي الآخرين"، "رغبتك خاصة بك وحدك"، "اسمع صوتك الداخلي فقط". هذا الخطاب - المنتشر في محتوى التطوير الذاتي ووسائل التواصل - يقدّم الرغبة وكأنها شيء نقي وفردي بالكامل، ينبع من "أنا" معزولة عن كل ما حولها، وكأن كل ما علينا فعله هو "تنقيتها" من تأثير المجتمع والعائلة لنصل إلى رغبتنا "الحقيقية".

لكن هذه الفكرة، رغم جاذبيتها، مبسّطة أكثر مما ينبغي. فالرغبة، من منظور التحليل النفسي، ليست معزولة عن الآخرين أبدًا؛ هي تتشكل أصلًا من خلال علاقتنا بهم، ومن خلال ما نظن أنهم يتوقعونه أو يقدّرونه فينا. فكرة الرغبة "النقية" و"الفردية بالكامل" تتجاهل أن كل رغبة، منذ ولادتها، منسوجة بخيوط من رغبات ونظرات الآخرين. المسألة إذن ليست في "التخلص" من تأثير الآخر بالكامل - فهذا شبه مستحيل - بل في فهم كيف يتشابك هذا التأثير مع ما نريده، لنتمكن من التمييز بين المسارات التي نرغب في خوضها فعلًا وتلك التي نسلكها فقط سعيًا وراء استحسان أو حب شخص ما..


ليس من السهل دائمًا أن نفهم ما الذي يجعلنا نتراجع عن شيء أردناه. قد نقول إننا خفنا من الفشل، أو إن الظروف لم تكن مناسبة، أو إننا اكتشفنا أن المشروع لم يعد يهمنا. وكل هذه التفسيرات ممكنة. لكن أحيانًا يكون هناك شيء آخر يعمل في الخلفية: صراع لا نراه بوضوح بين ما نرغب فيه وبين ما نشعر أنه ينبغي أن نرغب فيه.

ربما لهذا لا يكون السؤال البسيط "ماذا أريد؟" كافيًا.

الأكثر إثارة للاهتمام هو أن نسأل: ماذا يحدث عندما أرغب؟

هل أستطيع أن أستمر في الرغبة بشيء لا يلقى إعجاب الآخرين؟ هل أستطيع أن أختار طريقًا لا يعتبره أهلي نجاحًا؟ ماذا يحدث لرغبتي عندما لا يكون هناك من يصفق لها أو يعترف بقيمتها؟

هذه ليست أسئلة هامشية، لأن رغبتنا لا تتكون في فراغ. نحن نرغب بلغة لم نخترها، ومن خلال الأشخاص الذين أحببناهم وخفنا من خيبة أملهم وانتظرنا اعترافهم. ومنذ البداية، يدخل الآخر في الطريقة التي نفهم بها أنفسنا وفي الأشياء التي نعتقد أننا نريدها.

لهذا يمكن أن تكون بعض الرغبات مرتبطة، من دون أن ننتبه، بالحصول على شيء من الآخر: حب، اعتراف، إعجاب، أو حتى مجرد الشعور بأننا أصبحنا أخيرًا الشخص الذي كان ينبغي أن نكونه في نظره.

خذ مثلًا شخصًا يريد أن يبدأ مشروعًا يحبه، لكنه لا يدرّ مالًا كثيرًا. كلما اقترب من البدء، تراجع. قد يقول لنفسه إنه مشروع غير عملي، أو إنه ليس الوقت المناسب، أو إن هناك خيارات أفضل.

لكن لنفترض أن هذا الشخص نشأ في عائلة لا قيمة فيها إلا لما يمكن تحويله إلى نجاح مادي. كل شيء يُقاس بالمال، بالمكانة، بالإنجاز. ما لا ينتج شيئًا ملموسًا لا يستحق كثيرًا من الاهتمام.

عندها لا يحتاج أفراد العائلة إلى أن يكونوا موجودين حتى يستمر تأثيرهم. قد يصبح صوتهم موجودًا في الداخل.

"وماذا ستستفيد من هذا؟"

"هل سيجعلك ناجحًا؟"

"هل يستحق كل هذا الوقت؟"

وفي مرحلة معينة، قد لا يعود الشخص يعرف إن كان يتراجع لأن المشروع لا يناسبه فعلًا، أم لأنه لا يستطيع أن يحتمل فكرة أن يرغب بشيء لا يوافق عليه الآخر.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد القول إننا يجب أن نتحرر من رأي الآخرين.

فالآخر ليس شيئًا يمكن التخلص منه. لا يمكننا ببساطة أن نقول: "من الآن فصاعدًا سأفعل ما أريد ولن أهتم بأحد". نحن نتكلم لغة لم نخترها، ونرغب داخل عالم سبق أن وضع لنا أسماء وقيمًا وصورًا عن النجاح والفشل. وحتى عندما نعتقد أننا نتمرد على الآخر، قد نجد أنفسنا ما زلنا ندور حوله.

المسألة إذًا ليست كيف أتخلص من الآخر، وإنما كيف أفهم مكانه في رغبتي.

وهذا أيضًا ما يجعل فكرة "الرغبة الحقيقية" بحاجة إلى بعض الحذر. كأن هناك، في مكان ما داخلنا، رغبة أصلية ونقية تنتظر أن نعثر عليها، وكل ما علينا فعله هو أن نزيل عنها تأثير العائلة والمجتمع والآخرين.

التحليل النفسي لا ينطلق من هذا التصور بهذه البساطة.

ربما لا توجد رغبة "خالصة" تنتظر أن نكتشفها. ما يمكن أن يتغير هو علاقتنا بما نرغب فيه، وبما يجعل رغبتنا ممكنة أو مستحيلة. يمكننا أن نبدأ في ملاحظة الأشياء التي تتكرر في اختياراتنا، والتناقضات التي لا نفهمها، وما نفعله في اللحظة التي يصبح فيها الشيء الذي نريده قريبًا جدًا منا.

أحيانًا تكون المشكلة ليست في أننا لا نحصل على ما نريد، وإنما في أننا لا نعرف ماذا نفعل عندما يصبح الحصول عليه ممكنًا.

وهنا يأتي دور التحليل.

المحلل لا يقول لك ماذا تريد، ولا يساعدك على اكتشاف "الشخص الحقيقي" الموجود خلف كل هذه التأثيرات. لا يعطيك قائمة بالرغبات التي تخصك أنت، ولا يطلب منك أن تتجاهل الآخرين.

العمل التحليلي يذهب في اتجاه آخر: أن تبدأ في سماع كلامك أنت، بما فيه من تناقضات، ومن تكرار، ومن أشياء ربما لم تكن تقصد قولها. ومع الوقت، يمكن لبعض الكلمات التي كانت تبدو كأنها حقائق مطلقة أن تفقد شيئًا من قوتها.

ليس لأنك قررت ببساطة أن تتمرد عليها، وإنما لأنك بدأت تفهم لماذا كان لها كل هذا الوزن.

عندها قد يصبح ممكنًا أن ترغب بطريقة مختلفة. ليس لأنك أصبحت مستقلًا تمامًا عن الآخر، فهذا غير ممكن، بل لأن الآخر لم يعد وحده من يقرر قيمة ما تريد.


 
 
 

تعليقات


لطلب حجز جلسة، يُرجى تعبئة النموذج التالي:

bottom of page