top of page
بحث

الواقع في العصر الرقمي

  • صورة الكاتب: Sara Bou Fakhreddine
    Sara Bou Fakhreddine
  • 17 مايو
  • 3 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: قبل 7 أيام



ما سأقوله قد يبدو بديهيًا، لكنه يستحق التوقف عنده: نحن لا نعيش داخل "العالم" كما هو، بل داخل الصورة التي نبنيها عنه. ما نسميه واقعًا ليس سوى تركيب متواصل من المعلومات والانطباعات والصور والخبرات التي ننتقيها، بوعي أو من دونه، ثم نحيك منها سردية متماسكة نسبيًا ونمنحها اسم "الحقيقة / الواقع".


حين نستيقظ صباحًا ونفتح الهاتف أو التلفاز، لا نستقبل العالم بأكمله، بل شذرات منه: خبر عن حرب، صورة انهيار اقتصادي، قصة نجاح، فضيحة، إعلان، خطاب سياسي، مقطع قصير على وسائل التواصل. هذه القصاصات الصغيرة لا تمر مرورًا محايدًا، بل تترك أثرًا وتعيد تشكيل إحساسنا بالحياة. خبر واحد قد يجعل العالم يبدو مكانًا عدائيًا ومظلمًا، بينما صورة أخرى قد تمنح انطباعًا معاكسًا تمامًا. وهكذا تتكون علاقتنا بالواقع من تراكم انتقائي لا من إدراك شامل.


ربما لم يتغير هذا المبدأ كثيرًا عبر التاريخ، لكن ما تغير جذريًا هو حجم التدفق وسرعته هذا هو الواقع في العصر الرقمي . في الماضي، كانت الجماعات البشرية تبني رؤيتها للعالم من خلال التجربة المباشرة، والذاكرة الجماعية، والحكايات الشفهية، وبعض السلطات الرمزية المحدودة داخل القبيلة أو المجتمع. أما اليوم، فنحن نعيش داخل سيل متواصل من الرسائل والصور والتوجيهات التي تصل إلينا بلا انقطاع، حتى أصبح من الصعب التمييز بين ما نريده نحن فعلًا، وما زُرع فينا تدريجيًا بوصفه رغبة أو قلقًا أو حاجة.


" إن إعادة عيش، من خلال اللغة لما هو مَعروف ولكن لم يتم التفكير فيه بعد (ما أسميه ’المعروف غير المفكر فيه‘The Unthought Known) هو موضوع هذا الكتاب."— كريستوفر بولاس (١)

في التحليل النفسي، وخصوصًا عند Jacques Lacan، لا يُفهم الواقع بوصفه شيئًا معطى بصورة مباشرة، بل باعتباره بناءً يتشكل شيئا فشيئ. الإنسان لا يعيش فقط وسط الوقائع، بل داخل اللغة والصور والسرديات التي تنظّم علاقته بنفسه وبالآخرين. لذلك فإن "الحقيقة / الواقع" ليست دائمًا ما يبدو موضوعيًا وثابتًا، بل كثيرًا ما تتخذ شكل قصة أو تمثيل أو خيال يمنح التجربة معناها.


هذه النقطة تحديدًا هي ما أدركته مبكرًا الخطابات السياسية والإعلانية. فالتأثير لا يحدث فقط عبر تقديم منتج أو فكرة، بل عبر تشكيل العالم الذي يجعل هذا المنتج أو تلك الفكرة تبدو ضرورية. قبل أن يُباع لنا الحل، يُعاد رسم المشكلة. وقبل أن يُقنعنا خطاب سياسي بموقف معين، يكون قد أعاد تنظيم مخاوفنا وتصوراتنا ورغباتنا بطريقة تجعل ذلك الموقف يبدو "طبيعيًا" أو "أخلاقيًا" أو "ضروريًا".


لم تعد الدعاية اليوم تعمل بطريقة مباشرة وفجة كما في السابق. لم نعد نصدق بسهولة الشعارات الصريحة، ولذلك أصبحت الرسائل أكثر خفاءً واندماجًا في تفاصيل حياتنا اليومية. الخوارزميات، والإعلانات الموجهة، والمحتوى الذي نستهلكه باستمرار، لا تفرض علينا أفكارًا جاهزة بقدر ما تعيد تشكيل المناخ النفسي الذي تتولد داخله أفكارنا أصلًا.

والأخطر ربما أننا لم نعد نشعر بهذه العملية. الإنسان ينتبه عادة إلى ما يبدو غريبًا أو دخيلًا، أما ما يغمره باستمرار فيتحول إلى جزء من المشهد الطبيعي. مثلما لا ينتبه المرء لرائحة منزله إلا بعد غياب طويل، أصبحنا بالكاد نلاحظ حجم الرسائل التي تتسلل يوميًا إلى وعينا وتعيد تشكيل حساسيتنا وتصوراتنا عن أنفسنا وعن العالم.


"لا يوجد شيء اسمه فرد، ولا شيء اسمه ذات، بمعزل عن العلاقات بين الذاتية الذي يشارك فيها." — توماس هـ. أوغدن (٢)

لهذا يبدو لي أن المسألة اليوم ليست فقط في امتلاك "رأي" أو "موقف"، فالجميع تقريبًا يمتلك آراء جاهزة. الصعوبة الحقيقية تكمن في القدرة على التفكير خارج المسارات المعدّة مسبقًا، وفي الحفاظ على مسافة نقدية تسمح للإنسان بأن يتساءل: من أين جاءت هذه الفكرة؟ لماذا يبدو هذا الخوف بديهيًا؟ ولماذا تبدو بعض الرغبات وكأنها رغباتي الخاصة بينما هي في جزء منها صدى لخطابات تحيط بي باستمرار؟


ربما لا يمكن الهروب الكامل من هذا العالم المشبع بالصور والخطابات، لكن يمكن على الأقل مقاومة التحول إلى متلقٍ سلبي. وربما تكون الخطوة الأولى هي الشك قليلًا في البداهات، والقدرة على الإصغاء إلى أصوات مختلفة ومتعارضة، بدل الارتماء داخل سردية واحدة مكتملة ومطمئنة.



المرجع:


بولاس، ك. (1987). ظل الموضوع: التحليل النفسي للمعروف غير المفكر فيه. مطبعة جامعة كولومبيا، ص. 3-4. (١)

 Subjects of Analysis، توماس هـ. أوغدن، 1994، نورثفيل، نيوجيرسي: Jason Aronson، ص. 13

(٢)


تعليقات


لطلب حجز جلسة، يُرجى تعبئة النموذج التالي:

bottom of page