top of page

لماذا لا نهتم بالتشخيص في التحليل النفسي؟ وهل يعني ذلك أننا لا نشخّص؟

  • صورة الكاتب: Sara Bou Fakhreddine
    Sara Bou Fakhreddine
  • 28 يونيو
  • 2 دقيقة قراءة


من أكثر الأسئلة التي يطرحها المقبلون على التحليل النفسي: "لماذا لم يخبرني المحلل بتشخيصي؟" أو "لماذا لا يبدو أن المحلل مهتم بإعطائي اسمًا لما أعانيه؟" كما حصل عندما ذهبت إلى الطبيب.

وربما يثير هذا الاستغراب، في زمن أصبحت فيه التشخيصات النفسية جزءًا من اللغة اليومية: اكتئاب، قلق، نوبة هلع، اضطراب شخصية، اضطراب ثنائي القطب، وسواها. وكأن الحصول على اسم للحالة هو الخطوة الأولى للعلاج.


لكن التحليل النفسي ينطلق من سؤال مختلف تمامًا.


ليس السؤال: "ما المرض الذي لديك؟"

بل:

"كيف تعيش معاناتك؟ "


وهنا يبدأ الفرق.


التشخيص في الطب... والتشخيص في التحليل النفسي



في الطب، يؤدي التشخيص وظيفة أساسية: فهو يحدد المرض، ويتيح اختيار العلاج المناسب. فإذا كان الالتهاب بكتيريًا، يُعطى المضاد الحيوي المناسب، وإذا كان كسرًا في العظم، يُحدد موضعه وطريقة تثبيته.

أما في التحليل النفسي، فإن ما يهم ليس فقط ما يعانيه الشخص، بل كيف يتكلم عن معاناته، وكيف يتموضع حيالها، وما الذي تكشفه عن رغبته وعلاقته بالآخر.


قد يأتي شخصان يشكيان من القلق نفسه، أو من نوبات هلع متشابهة، أو من أفكار وسواسية متقاربة. في الطب النفسي قد يحصلان على التشخيص نفسه.

لكن بالنسبة للمحلل النفسي، قد ينتمي كل واحد منهما إلى بنية مختلفة تمامًا.

لأن السؤال ليس:

"ما الأعراض؟"

بل:

"كيف تتكون هذه الأعراض؟"


.

المحلل لا يسعى ليضع أوصافًا للشخص،

فالتحليل لا يقول:

"أنت وسواسي."

بل يحاول أن يفهم:

"كيف تعمل الوسواسية عند هذا الشخص تحديدًا؟"ما هي الخبرة الذاتية التي يمر بها؟" كيف بدأت، وبماذا ترتبط؟"


لا يوجد شخصان لهما اللاوعي نفسه

العرض يحمل دائمًا معنى خاصًا بصاحبه.

فقد يكون عرض واحد هو التعبير عن صراع مختلف تمامًا عند شخصين.

لهذا لا يفسر المحلل العرض بالاعتماد على دليل تشخيصي، وإنما يصغي إلى تاريخه داخل خطاب المريض.

فما يبدو عرضًا متشابهًا من الخارج قد يكون، في العمق، مختلفًا جذريًا.

ولهذا السبب يعمل المحلل ليس فقط على محتوى الكلام، بل على الطريقة التي ينتظم بها الشخص الكلام نفسه.


لماذا لا يخبر المحلل المريض بتشخيصه؟

ليس لأن التشخيص غير موجود.

بل لأن إعلانه قد يتحول بسرعة إلى هوية يتشبث بها الشخص.

بدل أن يقول:

"أنا أعاني من هذا العرض."

يصبح:

"أنا هذا التشخيص."

وهنا يفقد التحليل موضوعه الأساسي: الذات.

لقد أشار عدد من المحللين، ومنهم الأرجنتيني ليوناردو بيسكين، إلى أن مجرد تسمية التشخيص تُحدث أثرًا في الذات، ولذلك فإن التشخيص في التحليل ليس مجرد معرفة، بل هو أيضًا مسألة أخلاقية. فالتسمية قد تفتح إمكانًا للفهم، لكنها قد تتحول أيضًا إلى قيد جديد إذا استُعملت كهوية ثابتة.


هل يعني ذلك أن المحلل لا يشخّص؟

على العكس.

المحلل يحتاج إلى فرضية تشخيصية منذ اللقاءات الأولى.

لكنها ليست حكمًا نهائيًا، بل فرضية عمل.


أخلاقية الإصغاء بدل أخلاقية التصنيف


يكمن الفرق الحقيقي في أن الطب النفسي، بحكم وظيفته، يحتاج إلى تصنيف الحالات من أجل اتخاذ قرار علاجي.

أما التحليل النفسي، فوظيفته ليست إدخال الشخص في فئة، بل الإصغاء إلى فرادته.

ولهذا فإن السؤال الأول للمحلل ليس:

"إلى أي فئة ينتمي هذا الشخص؟"

بل:

"من هو هذا الشخص الذي يتكلم الآن؟"

قد يشترك آلاف الأشخاص في التشخيص نفسه، لكن لا أحد يملك التاريخ نفسه، أو الرغبة نفسها، أو الطريقة نفسها في بناء أعراضه.

ومن هنا، فإن التحليل النفسي لا يرفض التشخيص، بل يرفض أن يصبح التشخيص بديلاً عن الإصغاء.

فالهدف ليس أن نعرف اسم المرض، بل أن نصل إلى الحقيقة الخاصة التي يتكلم بها اللاوعي عند كل ذات.

وهذه الحقيقة، بخلاف التشخيص، لا يمكن أن تُستعار من كتاب، ولا أن تُختصر في رمز، ولا أن تُمنح قبل أن يقولها صاحبها بنفسه.

تعليقات


لطلب حجز جلسة، يُرجى تعبئة النموذج التالي:

bottom of page