top of page
بحث

اللاوعي: ذلك المجهول الذي لا نريد أن نراه.

  • صورة الكاتب: Sara Bou Fakhreddine
    Sara Bou Fakhreddine
  • 1 أبريل
  • 3 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 28 أبريل


شخص واقف في غرفة بها نافذة كبيرة خلفية مليئة بالكولاج من النصوص الملونة بالأحمر والأزرق والأسود، تشكل مشهدًا فوضويًا وحديثًا.

اللاوعي، ذلك المجهول الكبير الذي يتداخل مع جزء واسع مما يحدث على المستوى الاجتماعي، ومع ذلك نادرًا ما نأخذه بعين الاعتبار عندما نحاول فهم الإنسان.

باستثناء بعض المجتمعات كالمجتمع الأرجنتيني مثلًا، الذين يتحدثون عن اللاوعي حتى مع بائع الفاكهة، فإن معظم المجتمعات لا ترغب في الاقتراب منه فعليًا. وغالبًا ما يُستخدم المصطلح بشكل سطحي، كمرادف لفعل تلقائي غير مقصود.

لكن السؤال الحقيقي هو: ما أهمية أن نكون واعين بوجود اللاوعي أصلًا؟

ولماذا، إذا كنا قد بقينا طويلًا بعيدين عن هذا المفهوم، نحتاج اليوم إلى إعادة طرحه؟

الإنسان، إذا كان جسديًا يتكوّن بنسبة كبيرة من الماء، فهو نفسيًا — بشكل رمزي — تحكمه نسبة هائلة من اللاوعي. جزءًا كبيرًا من أفعالنا لا يصدر عن الوعي المباشر.

ومع ذلك، ما يثير الانتباه هو أننا عندما نحاول فهم سلوك الآخرين، نلجأ دائمًا إلى أكثر ما نملكه سطحية: الوعي والإرادة.

كيف نفهم الآخرين بشكل خاطئ؟

هذا التجاهل للاوعي يقودنا إلى تفسيرات قاسية ومختزلة تجاه الآخرين.

على سبيل المثال، عندما يخبرنا قريب لنا يبدو أنه يعيش حياة مستقرة، أنه يعاني من اكتئاب، فإننا لا نفهم ذلك. وغالبًا ما نسمع تعليقات مثل: "يتذمر بلا سبب، هو مرفّه"،"لم يعانِ في حياته"، "ضعيف الإرادة"،"هو فقط لا يريد العمل".

وعندما يتوقف طالب مجتهد عن الحضور، نفترض مباشرة أنه "لا يريد"، حتى لو خسر سنته الدراسية بسبب ذلك. وكأن كل ما لا نفهمه، لا بد أن يكون إما قرارًا واعيًا أو سوء نية.

مجتعنا الحالي يعيش داخل منطق بسيط جدًا: "إذا أردت، تستطيع". وكأن الإنسان يمكن تشكيله بالكامل بالإرادة، وكأنه مشروع بسيط نضيف إليه ما نشاء: قليل من الثقة بالنفس، وبعض النجاح، القليل من الحب وبعض التوكيدات وانتهى الأمر.

لكن هذا التصوّر يؤدي إلى حلول سطحية لمشاكل عميقة:"اخرج أكثر" (وهو غير قادر)،"اختلط بالناس" (وهو خائف)،"ابذل جهدًا" (وهو لا يملك الطاقة)... "مارس الرياضة...اتحد مع الطبيعة..." وإلى ما هنالك من نصائح لا يمكنه الرد عليها...

وهم السيطرة الكاملة على النفس

هذا الخطاب يتماشى مع فكرة شائعة في عصرنا: أن الإنسان مسؤول بالكامل عن نفسه، وأن كل ما يفعله هو نتيجة إرادته فقط.

لكن إذا كان الأمر كذلك، فكل سلوك غير مفهوم يتحول تلقائيًا إلى كذب أو تناقض أو حب المعاناة.

أي أن المنطق يصبح بسيطًا جدًا:إذا كنت تملك نفسك، فأنت تفعل ما تريد دائمًا، وإذا لم تفعل شيئًا فأنت لا تريده.

حتى الانتحار يُختزل حينها إلى "قرار إرادي واضح".

لكن الواقع الإنساني أكثر تعقيدًا بكثير.

لماذا لا نفهم من نحبهم أحيانًا؟

كيف نفسر أن شخصًا نعرفه كأب جيد وزوج مخلص، يمكن أن يخون؟ كيف نفسر أن مديرًا ناجحًا يهتم بعمله، قد ينفجر غضبًا في مواقف بسيطة؟ لماذا شخص ذكي جدًا يدخل في علاقات تؤذيه؟ ولماذا شخص نحترمه يعاني من ضعف داخلي شديد؟

هناك شيء لا يمكن تفسيره ببساطة.


إذا أحببناه، نجد له تبريرات. أما عندما لا يكون هناك تعاطف، فإن الأحكام تصبح قاسية ومختزلة.

اللاوعي ومنطقه الخاص

لهذا السبب، من المهم أن نعي وجود اللاوعي، ليس كمفهوم غامض، بل كبنية حقيقية تؤثر في سلوكنا وسلوك الآخرين.

عندما لا تكفي الإرادة لنتوقف عن عمل ما يضرّ بنا، وعندما نفشل مرارًا وتكرارًا من دون سبب واضح.

نسأل هل يوجد "شيء آخر" يعمل خلف ما نراه.

شيء لا يفسره المنطق اليومي، يفسره اللاوعي.

لكن هناك مشكلة شائعة: الخلط بين الفهم والتبرير.

في زمن أخلاقي صارم، يصبح مجرد محاولة فهم سلوك الآخر نوعًا من الاتهام بالتبرير.

لكن الفهم لا يعني القبول، ولا يعني تبرير السلوك، بل يعني فقط إدراك أن الإنسان ليس شفافًا كما نعتقد.

مثال بسيط من الحياة

لنأخذ مثالًا شائعًا اليوم: شخص يريد أن يكون نحيفًا بشدة، ويجرب كل الوسائل الممكنة: حميات، رياضة، مختصين، معرفة دقيقة بالتغذية...ومع ذلك، يفشل باستمرار.

التفسير السهل والجاهز: هو ضعيف الإرادة...

لكن ماذا لو كان هناك شيء أعمق؟

ربما يعيش هذا الشخص توترًا داخليًا مرتبطًا بالعلاقات، أو بالخوف من الفقد، أو من نظرة المجتمع له، أو من تجربة سابقة ربط فيها التغيير الجسدي بالخطر العاطفي.

قد لا يكون واعيًا بهذا الربط، لكنه يعمل داخليًا.

وهكذا، كلما اقترب من هدفه، يظهر قلق يدفعه للعودة إلى السلوك القديم.

وفي النهاية، يفسر ذلك لنفسه ببساطة: ؛أنا بلا إرادة".

بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير.

هل الحل دائمًا عند المحلل النفسي، لتقصي اللاوعي؟

لا.

جرّب العادات، جرب الإرادة، جرب المعرفة. لكن إذا لاحظت أنك دائمًا ما تعود إلى نفس النقطة رغم كل محاولاتك، فقد يكون من المفيد التحدث إلى محلل نفسي.

وأخيرًا

هذا النص ليس دعوة لتحليل كل شيء أو تفسير كل سلوك نفسيًا، بل دعوة للتوقف عن التسرع في إعطاء أحكام جاهزة على ما لا نفهمه.

فإذا كان الإنسان نفسه لا يفهم بالكامل ما يحدث له، فمن باب أولى أن نكون أكثر حذرًا قبل أن نفسر سلوك الآخرين.

الفهم لا يعني التبرير، ولا يعني القبول، بل يعني فقط الاعتراف بأن الإنسان أعقد بكثير مما نعتقد.


تعليقات


لطلب حجز جلسة، يُرجى تعبئة النموذج التالي:

bottom of page